السيد محمد تقي المدرسي

50

محمد المصطفى (ص) قدوة وأسوة

التي بيَّن بها تعاليمه الدينية والخلقية ورجع قاصداً المدينة . ولعل بعض من رافق النبيَّ صلى الله عليه وآله في هذه الرحلة المقدسة لاحظوا بوضوح مظاهر القلق والاضطراب في ملامحه كل حين ، كأنِّه يريد إبداء شيء يخاف منه أو يرتقب فرصة أخرى أفسح وأولى ! ! . ولكنَّ هذه الحجة كانت الحجة الأخيرة للنبيِّ صلى الله عليه وآله . ولذلك سُمِّيت بحجة الوداع . ومن الضروري أن يُبيِّن فيها النبيُّ كل شيء يتعلق بمصالح المسلمين وشؤونهم السياسية والدينية . وإنّ أهم هذه الشؤون هي السلطة . فإذا تُوُفِّيَ النبيّ صلى الله عليه وآله اختلفت العرب الذين لم يتسرّب الإسلام إلى قلوبهم كما هو في واقعه ، وتنازعت أمرها وذهب الدين ضحيةً للاختلاف . ولقد أنبأه الوحي بأنَّ السلطة تكون من بعده لعليِّ بن أبي طالب عليه السلام ، أوّل من آمن بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله ، وأشدَّ من أَبلى في سبيله ، وأقضى المسلمين وأفضلهم . ولقد ذكر النبيُّ صلى الله عليه وآله ذلك للمسلمين مراراً إِلَّا أن خوف النبيّ صلى الله عليه وآله كان شديداً على مستقبل الأمة ، حيث رأى في المسلمين بعض الذين يهدفون للسيطرة وقد التفوا حول النبيِّ لها فقط . فلما كان النبيُّ صلى الله عليه وآله بمنزل ( كراع الغميم ) من أراضي عسفان نزلت عليه الآية المباركة تقول : ( فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ) « 1 » . ولمّا بلغ غدير خم نزلت عليه هذه الآية : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) « 2 » .

--> ( 1 ) سورة هود ، آية : 12 . ( 2 ) سورة المائدة ، آية : 67 .